الحاجة إلى وضع سياسات وطنية تتلاءم مع نوعية ريادة الأعمال ومحيطها الاقتصادي

في العديد من الدول العربية، دفع التكامل الاقتصادي والحاجة إلى تنويع الاقتصادات العربية، وارتفاع معدلات بطالة الشباب، وتفضيل العمل في شركات ومؤسسات القطاع العام، إلى تبني إصلاحات اقتصادية لتحسين البيئة التمكينية لتكون موائمة لمشروعات ريادة الأعمال في المنطقة العربية. ومع ذلك ، فإن فهم محددات العمل لدى شريحة أصحاب الأعمال الحرة وكيف أنها قد تختلف في جميع أنحاء المنطقة أمر بالغ الأهمية إذا أريد لريادة الأعمال أن تكون حلاً لتحديات البطالة بين الشباب العربي، كما يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق النتائج الاقتصادية المرجوة.

إن المحددات المختلفة لقطاع ريادة الأعمال في جميع بلدان المنطقة العربية لها آثار كبيرة على السياسات الوطنية وبرامج الدعم التي يمكن تقديمها إلى رواد الأعمال الإقليميين.

وقد أضحى التمييز بين رواد أعمال الضرورة من جهة، ورواد أعمال الفرصة الذين يغتنمون فرصاً اقتصاديةً معينة من جهةٍ ثانية، أكثر أهمية لأن دول المنطقة تسعى إلى حدٍ كبير إلى اتباع سياسات غير متمايزة لريادة الأعمال تستهدف في المقام الأول رواد الفرص.

ريادة أعمال الضرورة وريادة أعمال الفرص في العالم العربي

منذ عام 2001، يميز مؤشر ريادة الأعمال العالمي، وهو تقييم سنوي لنشاط ريادة الأعمال في 100 دولة ، بين نوعين من رواد الأعمال: رواد الأعمال الذين يبحثون عن فرص عمل طوعًا بدافع المصلحة الشخصية أو تحقيق استقلالية أكبر أو دخل أعلى في كثير من الأحيان من ناحية، ورواد الأعمال الذين يعملون في مجال العمل الحر لأنهم غير قادرين على إيجاد عمل أفضل، ويجدون أن العمل الحر هو أفضل بديل في حالتهم، ولكن ليس بالضرورة أن يكون خيارهم الأفضل للعمل، من ناحيةٍ أخرى (رينولدز ، كامب ، بايغريف ، أوتيو وهاي 2001 ؛ إكزافييه، كيلي ، كيو، هيرنغتون، وفوردرفولبيكه، 2012) [1].

ويشير تحليل بيانات مؤشر ريادة الأعمال العالمي إلى أن البلدان ذات التوجه نحو الابتكار التي تتميز بارتفاع نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي لديها معدلات أعلى لمشروعات ريادة الأعمال القائمة على الفرص، في حين أن البلدان ذات الدخل المنخفض لديها تركيزات أعلى من رواد أعمال الضرورة.

وتشير بيانات مؤشر ريادة الأعمال العالمي أيضًا إلى أن نسبة أعلى من مشاريع ريادة الأعمال القائمة على اغتنام الفرص الإقتصادية سُجِلَت في قطاع خدمات الأعمال ذات المهارات العالية في الاقتصادات القائمة على المعرفة، بينما نشهد تركيزاً أكبر من رواد أعمال الضرورة في القطاعات الاقتصادية المنخفضة وشبه الماهرة الموجهة نحو المستهلك. كما أن تطلعات النمو تتباين بدرجةٍ كبيرة وتستند إلى حد كبير على أنواع مشاريع ريادة الأعمال، حيث يتوقع معظم رواد أعمال الضرورة ألا يتجاوز عدد العاملين في شركاتهم الناشئة أكثر من خمسة موظفين (رينولدز وآخرون 2001 ؛ إكزافييه وآخرون 2012).

وتمكن بيانات مؤشر ريادة الأعمال العالمي عن 11 دولة في المنطقة العربية من تصنيف الدول وفقًا لقدرتها على توفير بيئة تمكينية كافية لريادة الأعمال القائمة على الفرص. ويمكن تصنيف الدول العربية إلى ثلاث مراحل من النضج المرتبط بالتنمية الاقتصادية، وظروف سوق العمل، والهيكل الصناعي إلى ريادة الأعمال القائمة على الفرص. ونناقش أدناه وصفًا موجزًا لكل مرحلة من مراحل التوازن ويتم تطبيقها على 11 بلداً عربياً لديها بيانات متاحة على مؤشر ريادة الأعمال العالمي الخاص بها.

مستوى توازن منخفض لفرص ريادة الأعمال

يحدث انخفاض في مستوى توازن فرص ريادة الأعمال عندما يعتمد الاقتصاد على اتجاه إنتاجي ذا قيمة مضافة أقل، وكذلك عندما يحدث نقص في الأيدي العاملة ذات المهارات العالية. وفي الاقتصادات التي تواجه توازنات منخفضة في فرص ريادة الأعمال، يتكون الهيكل الصناعي عادةً من عدد كبير من الشركات الصغيرة وغير الرسمية المعرضة بدرجةٍ كبيرة للصدمات الاقتصادية. الشركات الصغيرة أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية التي يمكن أن تسبب تغيرات في معدلات البطالة أو تفشل في توفير فرص عمل كافية تؤدي إلى ظهور مستويات عالية نسبيًا من شريحة ”رواد أعمال الضرورة“ التي أشرنا إليها.

وفي بلدانٍ عربية مثل جمهورية مصر العربية ودولة فلسطين والجمهورية اليمنية، هناك تركيزات عالية من رواد أعمال الضرورة بسبب انخفاض مستويات نضج البيئة الحاضنة لمشروعات ريادة الأعمال من حيث توفير الفرص لمشاريع ريادة الأعمال القائمة على الفرص.

مستوى توازن متوسط لفرص ريادة الأعمال

مع معدل نمو سنوي إجمالي للناتج المحلي في حدود 3٪ في عام 2012 وفقًا لإحصاءات البنك الدولي، أي أكثر من ضعفيّ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون والتنمية، تشهد البلدان العربية، المصنفة ضمن فئة البلدان ذات التوازن المتوسط لفرص ريادة الأعمال، مستويات معتدلة من النمو الاقتصادي وفقاً لما أظهرته بيانات مؤشر ريادة الأعمال العالمي ويصاحب ذلك زيادة في أعداد رواد أعمال الضرورة (البنك الدولي، 2013).

ومع ذلك، فقد أدى هيكل هذه الاقتصادات، التي لا يمكن تصنيفها على أنها اقتصادات قائمة على المعرفة، إلى انتشار الصناعات السلعية التي تتطلب مستويات منخفضة من مهارات القوى العاملة، ورافق ذلك انخفاض نسبي في أعداد العاطلين عن العمل بالمقارنة مع البلدان التي لديها توازن منخفض في فرص مشاريع ريادة الأعمال. ولهذا السبب، توفر هذه الاقتصادات أيضا فرصاً كبيرة لريادة الأعمال القائمة على الفرص.

تجدر الإشارة إلى أن الأقطار العربية التي تمر بمرحلة توازن متوسط في فرص ريادة الأعمال اضطلعت بتطبيق سياسات اقتصادية تقوم على تشجيع ورعاية مشروعات ريادة الأعمال وتحسين نوعية التعليم ودمج ريادة الأعمال في المنظومة التربوية وكذلك في قطاع التعليم الفني والتدريب المهني.
ومن أمثلة تلك البلدان التي تمر بمرحلة التوازن المتوسط لقطاع ريادة الأعمال الجزائر والأردن والمغرب وسوريا وتونس.

مستوى توازن مرتفع لفرص ريادة الأعمال

إن البلدان العربية التي تتمتع بمستوى توازن مرتفع لفرص ريادة الأعمال هي دول غنية نسبياً على أساس نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ويتميز القطاع الصناعي فيها بوجود عدد كبير من الصناعات القائمة على المعرفة التي توفر المهارات العالية وفرص العمل برواتب مرتفعة لأغلبية مواطنيها.

ويميز هذه الدول أيضاً ارتفاع معدلات مواطنيها العاملين في القطاع العام والدوائر الحكومية، كما تقوم حكومات هذه الدول بتوفير الدعم والرعاية لرواد الأعمال من مواطنيها من خلال تقديم القروض المصرفية الميسرة لتوفير التمويل لمشروعات ريادة الأعمال القائمة على الفرص.
ويتميز الهيكل الصناعي لهذه البلدان بتواجد قوي للشركات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب شركات كبيرة ومتطورة قد تكون مملوكة للدولة.
وقد نفذت البلدان التي تتمتع بمستوى توازن مرتفع لفرص ريادة الأعمال سياسات اقتصادية موجهة إلى دعم قطاع ريادة الأعمال وحققت نجاحًا كبيرًا في تحسين جودة التعليم ودمج التدريب على ريادة الأعمال في المؤسسات التعليمية وقطاع التعليم الفني والتدريب المهني.

ان مستوى التنمية الاقتصادية والظروف التي تحكم سوق العمل، والهيكل الصناعي لمثل هذه الاقتصادات، يفضي إلى مستويات عالية من مشاريع ريادة الأعمال القائمة على الفرص وخاصة في قطاع الخدمات ذات القيمة المضافة العالية. وتشمل البلدان التي تتمتع بمستوى توازن مرتفع لفرص ريادة الأعمال كل من الجمهورية اللبنانية ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية [2].

وبناءً على نموذج النضج لريادة الأعمال القائمة على الفرص، تظهر الدول العربية درجةً كبيرةً من التنوع في قدرتها على توفير نظام بيئي يساعد المواطنين على ارتياد مجال ريادة الأعمال القائمة على الفرص.

ومع ذلك، لم يؤد تنوع فرص ريادة الأعمال المتاحة في بلدان المنطقة العربية إلى تدخلات مستهدفة في السياسات الاقتصادية فيما يتعلق بريادة الأعمال على المستوى الوطني. وفي العديد من الدول العربية، لا تختلف السياسة الاقتصادية بشكلٍ كبير بناءً على التركيز العالي سواء لرواد أعمال الضرورة أو لرواد أعمال الفرصة؛ حيث أن معظم الدول العربية تنتهج سياسات متطابقة فيما يخص قطاع ريادة الأعمال، والتي تشمل التوجيه المهني والتمويل والتدريب على مهارات العمل، والحد من البيروقراطية، وإنشاء حاضنات الأعمال، بغض النظر عن تصنيف رواد الأعمال في بلدانهم واحتياجات الدعم المختلفة التي تتطلبها مشروعات رواد أعمال الضرورة مقابل مشروعات رواد أعمال الفرص.

الحاجة إلى التمييز بين أنواع رواد الأعمال في الأقطار العربية

تشير مجموعة ناشئة من الأبحاث التجريبية الدولية إلى أن رواد أعمال الفرصة ورواد أعمال الضرورة يختلفون فيما بينهم اختلافًا كبيرًا في الخصائص الاجتماعية والاقتصادية؛ والدافعية وأنواع الفرص المتاحة؛ وقدرة مشاريعهم الريادية على خلق فرص عمل جديدة؛ وتحفيز الاستثمار الخاص.

ويوضح الجدول التالي مفتاح التمييز بين رواد أعمال الفرصة ورواد أعمال الضرورة وفقًا للدراسات التجريبية الدولية:

فئة المقارنة رواد أعمال الفرصة رواد أعمال الضرورة

الشريحة العمرية

في المتوسط ​​حوالي 5 سنوات أصغر وفقا للدراسات التجريبية على أساس البيانات الدولية

أكبر من 5 سنوات من رواد أعمال الفرصة في الدراسات التجريبية استنادًا إلى البيانات الدولية

التعليم

تميل إلى أن تكون أكثر تعليما عاليا مع توفر الدراية والخبرة العامة بسوق العمل، وينعكس هذا بشكلٍ إيجابي على الأرباح وخفض معدلات التخارج

تميل إلى أن تكون أقل تعليماً وتستفيد أكثر من تعليم مهني محدد وجد أنه مرتبط بشكلٍ إيجابي بالأرباح

الخبرة في مجال العمل

من المرجح أن يكون لديهم خبرة عملية نتيجة لعملهم بدوام منتظم  في نفس الصناعة التي يدخلونها

أقل احتمالا أن تكون لديهم خبرة من العمل المنتظم في مجال التركيز

الدافعية

هذه الفئة تنجذب طوعاً إلى العمل الحر من خلال تحديد الفرص وغالبًا ما يتركون العمل بأجر أو يبحثون عن فرص إلى جانب العمل بدوامٍ كامل

غالبًا ما يتجهون إلى العمل الحر بعد فقدان الوظيفة أو عدم توفر فرص العمل

التقلبات الاقتصادية

من المرجح أن تُقدِم هذه الفئة على تأسيس مشاريعها عندما تكون الظروف الاقتصادية مواتية والبطالة منخفضة كما يقومون أيضًا بتأسيس أعمال بغض النظر عن وضعهم الوظيفي

من المرجح أن الصدمات الاقتصادية السلبية التي تؤثر على الشركات الصغيرة أو تزيد من البطالة تدفعهم إلى إرتياد مجال ريادة الأعمال

السعي لإقتناص الفرص الجيدة

يتجهون إلى إنشاء شركات أكبر في الصناعات القائمة على المعرفة والتي تتطلب مبالغ كبيرة من رأس المال المستثمر والموظفين لتوليد أرباح أعلى

أقل احتمالاً أن يكون لديهم أفكار أعمال ذات آفاق نمو كبيرة وأكثر عرضة لاستغلال فرص ريادة الأعمال في القطاعات ذات الدخل المنخفض وذات المحتوى المعرفي المنخفض

امكانية خلق فرص عمل جديدة

احتمال أكبر لخلق وظائف إضافية

هذه الفئة تركز في المقام الأول على توظيف أنفسهم واحتمال أقل لخلق وظائف إضافية

استمرارية الشركة في السوق

نسبة استمرارية الشركة مرتفعة ومعدلات الفشل والإغلاق منخفضة

عرضة أكثر للخروج من السوق، وإذا استطاعوا الإستمرار فقد ينتجون أعمالًا هامشية فقط ، ويستثمرون مبالغ ضئيلة من رأس المال، ويفشلون في خلق المزيد من فرص العمل، ويكسبون الحد الأدنى من الدخل

استثمار رأس المال وتحمل المخاطر

هذه الشريحة تستثمر مبالغ أعلى من رأس المال في مشروعاتها وتميل إلى أن تكون أكثر تحملاً للمخاطر

ضخ مبالغ أقل من رأس المال المستثمر وتحمل أقل للمخاطر

الميل إلى طلب الدعم الخارجي

من المرجح أن تكون هذه الفئة قد بنت شبكتها الخاصة لتشمل أشخاصًا ذوي قيمة في عملية إنشاء المشروع مثل العملاء المحتملين أو المؤسسين أو الممولين

أقل عرضة لطلب الدعم في شكل مساعدة مهنية أو شخصية أثناء تأسيس المشروع

تقدم هذه النتائج التجريبية دليلًا قويًا على أن برامج التدريب والدعم الوطنية لريادة الأعمال تتطلب تفصيلًا كبيرًا لتلبية احتياجات كل من أرواد أعمال الفرصة ورواد أعمال الضرورة.

تقدم هذه النتائج التجريبية دليلًا قويًا على أن برامج التدريب والدعم الوطنية لريادة الأعمال تتطلب تفصيلًا كبيرًا لتلبية احتياجات كل من أرواد أعمال الفرصة ورواد أعمال الضرورة.

ومن خلال عدم مراعاة الاحتياجات الخاصة للأنواع المختلفة من رواد الأعمال، تم تفصيل سياسات لقطاعات ريادة الأعمال الإقليمية بطريقة البيع في بعض محلات التجزئة: مقاس واحد يناسب الجميع. هذه المقاربة تتسم بالقصور خاصةَ فيما يتعلق بتلبية احتياجات رواد أعمال الضرورة.

واستنادًا إلى الافتراض القائل بأن سياسات ريادة الأعمال في بلدٍ ما ينبغي أن تعكس مزيجًا من مشاريع ريادة الأعمال القائمة على الضرورة وتلك القائمة على الفرص، فإنه يتعين انتهاج سياسات مختلفة إلى حدٍ كبير طبقاً لمرحلة التوازن لفرص ريادة الأعمال المتاحة التي يمر بها كل بلدٍ على حدة، بحيث تعتمد تلك السياسات على السياق الاقتصادي العام للدولة التي يتم إطلاق مشروعات ريادة الأعمال فيها.

ومع ذلك، في العديد من الدول العربية، لا تتوافق فيها توجهات قطاع ريادة الأعمال بالضرورة مع سياسات الاقتصاد الكلي وغيرها من السياسات الهامة للتنمية الاقتصادية مثلما أظهرت العديد من الدراسات (انظر على سبيل المثال للأبحاث التي أجراها وليد العرادي و

 في المنطقة العربية، هناك انفصال كبير بين سياسات وبرامج ريادة الأعمال والإستراتيجيات المطلوب اتباعها لتطوير هذا القطاع الحيوي. على سبيل المثال ، يُظهر كلٍ من وليد العرادي و(بنكر) و (شوالييه) أن سياسات ريادة الأعمال والسياسات التعليمية في دولة قطر على سبيل المثال ليست بالضرورة متوافقة ولا تعتبر مكملة لبعضها بعضاَ. وينتج عن هذا نقص في التوجيه المهني لرواد الأعمال الطموحين، حيث أنه نادراً ما يتم تقديم التدريب على ريادة الأعمال في المراحل الدراسية المختلفة بالمدارس العامة والخاصة بسبب عدم وجود مناهج معتمدة. وعوضاً عن جعل المناهج الدراسية الحالية في دولة قطر مكملةً لبعضها، فإن رواد الأعمال الطموحين في البلاد لا يتعرفون على هذا القطاع الاقتصادي الهام إلا ربما في المراحل التي تعقب الدراسة الثانوية، أو يضطرون إلى التسجيل في مؤسسات تدريب متخصصة من خارج نظام التعليم الرسمي.

الآثار المترتبة على السياسات والممارسات

نظرًا لندرة البحوث والدراسات التجريبية في مجال مشروعات ريادة أعمال الفرص والضرورة في المنطقة العربية، فإنه من الصعب صياغة وصفات محددة لذلك على المستوى الوطني. ومع ذلك، يوضح هذا التحليل الاستكشافي وجود اختلافات جوهرية بين رواد أعمال الضرورة ورواد أعمال الفرصة، وهو الأمر الذي لم يتم أخذه في الاعتبار عند وضع السياسات الخاصة بقطاع ريادة الأعمال الناشيء في المنطقة العربية؛ حيث تخفق سياسات ريادة الأعمال في جميع أنحاء المنطقة في التمييز بين المشاريع القائمة على الحاجة وتلك التي تحركها الفرص الإقتصادية، وبالتالي يتم تفصيل السياسات بنظام المقاس الواحد الذي يناسب الجميع والذي يتشكل إلى حدٍ كبير بواسطة البرامج التي تخدم رواد الأعمال الذين تحركهم الفرص. وعند القيام بذلك، نادراً ما يتم النظر في العروض المصممة وفقًا لخصائص وأنواع رواد الأعمال.

وتشير النتائج التجريبية الدولية، على افتراض إمكانية تطبيقها على المنطقة العربية، إلى مبررات قوية لتفصيل سياسات ريادة الأعمال الوطنية في المنطقة العربية على نحوٍ يعكس مزيجًا من رواد أعمال الضرورة مقابل رواد أعمال الفرصة الذين يعملون في بلدانٍ معينة.

ويُفترض أن قطاع ريادة الأعمال في البلدان التي لديها مستوى توازن مرتفع لفرص ريادة الأعمال، مثل بلدان دول مجلس التعاون الخليجي، يختلف كثيرًا عن قطاع ريادة الأعمال في البلدان التي لديها مستوى توازن منخفض لفرص ريادة الأعمال مثل جمهورية مصر العربية ودولة فلسطين والجمهورية اليمنية. فرواد الأعمال الذين يؤسسون مشاريعهم بسبب الحاجة، ونظرائهم الذين تحركهم الفرص الاقتصادية التي يودون اقتناصها، يختلفون في الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والدوافع وأنواع الفرص المتاحة وإمكانات مشاريعهم الريادية في إيجاد فرص العمل وتحفيز الاستثمار الخاص. ويمكن أن تكون هذه الاختلافات بمثابة أدوات غير مستغلة في رسم الخطوط العامة لتوجهات السياسات الوطنية التي تهدف إلى تحفيز وتنشيط قطاع ريادة الأعمال.

و بدلاً من تصنيف جميع رواد الأعمال كمجموعة متجانسة مدفوعة بالفرص المتاحة أمامهم، ومن ثم تقديم دعم حكومي موحد للجميع، يمكن للحكومات الإقليمية تقديم برامج تدريب هادفة ودعم وتمويل طارئ وإعانات قد تخدم جميع رواد الأعمال سواء الذين تدفعهم الحاجة أو الذين تحركهم الفرص لتأسيس مشاريعهم.

وإذا كان لا بد من مواصلة ريادة الأعمال باعتبارها العلاج الناجع لتحدي بطالة الشباب وحل القضايا الاقتصادية الهيكلية ومشاكل أسواق العمل في المنطقة العربية، فإن هذه التدابير المصممة تبدو متأخرة. ويقدم الجدول التالي ملخصًا للمكونات المحتملة لسياسات ريادة الأعمال الإقليمية التي قد تحتاج إلى إعادة النظر فيها لتلبية احتياجات كل من رواد الفرص ورواد الضرورة بشكلٍ أكثر فعالية.

مكونات سياسة ريادة الأعمال المقاربة النموذجية لريادة الأعمال القائمة على الفرص في المنطقة العربية المطلوب القيام به للوصول بشكل أكثر فعالية إلى رواد أعمال الضرورة في المنطقة العربية

نهج سياسة ريادة الأعمال

تنظر السياسات إلى رواد الأعمال بوصفهم رافد  من مكونات الاقتصاد الوطني يمكنهم الاستفادة من جميع البرامج وقد لا يميزون بين دعم الأعمال الشركات الصغيرة والسياسات التي تدعم مشروعات ريادة الأعمال.

سياسات وبرامج محددة لتلبية احتياجات رواد أعمال الضرورة ومعالجة التحديات الخاصة بكل بلد

تعليم ريادة الأعمال

التدريب على ريادة الأعمال في المراحل التعليمية بالمدارس، وما بعد المرحلة الثانوية، والتدريب على مهارات العمل في حاضنات الأعمال المنطلقة من داخل وخارج الجامعات

دعم التدريب في مجالات تقنية ومهنية محددة يحتمل أن تكون أدنى من مستوى ما بعد المرحلة الثانوية، بالإضافة إلى تعليم ريادة الأعمال في مرحلة مبكرة ومرحلة ما بعد الدراسة الثانوية والتدريب على مهارات العمل

الحصول على التمويل

زيادة مخصصات التمويل من خلال القروض المباشرة وصناديق التمويل التي يرعاها رأس المال المخاطر

برامج التمويل العام التي قد تستهدف مجموعة واسعة من الصناعات إلى جانب التركيز بشكل أقوى على مساعدة رواد الأعمال في الحصول على التمويل من خلال التركيز أكثر على قضايا الأعمال مثل المهارات الإدارية والأدلة على وجود خطة عمل قوية

تحسين البيئة التنظيمية

يركز نهج الاقتصاد الكلي في السياسة الضريبية والتنظيمية على التغييرات في القوانين (مثل التخفيضات الضريبية العامة) واللوائح التي تؤثر على كل شخص يقوم بتأسيس مشروع

تحليل تأثير السياسات لتحديد ما إذا كانت التغييرات التنظيمية تركز بشكلٍ كافٍ على احتياجات رواد أعمال الضرورة، ومعظم هذه الشركات تستفيد من السياسات التي تؤجل النفقات، 
وتسمح للشركات بتحويل الحوافز الضريبية إلى نقد، وتخفض من تكاليف أعمال التطوير


تبادل التكنولوجياوالابتكار

منهجية تطوير مجموعات الأعمال العنقودية والاستفادة من صناديق التمويل التي تشجع التعاون بين الجامعات وشركات القطاع الخاص

قياس وتقييم الفوائد المرتبطة باستثمارات الدولة على رواد أعمال الضرورة وما إذا كانت هذه المبادرات تخدمهم على النحو المناسب

ومن هذا التحليل، من الواضح أن هناك عددًا كبيرًا من الدول العربية يجب أن تعيد تقييم استراتيجياتها وسياساتها وبرامجها لتحقيق أقصى قدر من الإنفاق على تعزيز أنشطة قطاع ريادة الأعمال. لقد تم إعداد هذه الدراسة لإثارة قضايا من شأنها تحفيز نقاش أكثر استنارة حول تأثير سياسات تريادة الأعمال في المنطقة، وتعزيز السياسات الوطنية التي تستوعب، عند الحاجة، كلاً من رواد أعمال الفرصة ورواد أعمال الضرورة.

[1] يحدد الباحثان (كاليندو) و (كريتكس) تصنيفاً ثالثاً لرواد الأعمال الذين يقومون بتأسيس مشاريعهم بسبب البطالة أو صعوبة العثور على وظيفة مناسبة إلى جانب عوامل الجذب التقليدية مثل المصلحة الشخصية أو تحقيق المزيد من الاستقلالية أو جني أرباح كبيرة. وعلى الرغم من أن هذا التصنيف يعبر عن دوافع مختلطة لإرتياد مجال ريادة الأعمال، إلا أن رواد الأعمال في هذا التصنيف يشبهون إلى حدٍ كبير رواد أعمال الفرصة.

[2] قد لا تتمكن البلدان ذات الدخل المتوسط المرتفع مثل لبنان من محاكاة العديد من سياسات وممارسات دول مجلس التعاون الخليجي الأكثر ثراء والتي يتمتع مواطنيها بالعمل في وظائف تابعة للقطاع العام تقدم لهم رواتباً مرتفعة ومزايا وفوائد اجتماعية عديدة تتيح للعديد منهم الوقت والموارد لمتابعة مشاريعهم الخاصة في قطاع ريادة الأعمال القائمة على الفرص إلى جانب عملهم بدوام كامل في الدوائر الحكومية وشركات ومؤسسات القطاع العام في بلدان مجلس التعاون الخليجي. ويشير هذا إلى أنه حتى في مراحل التوازن المحددة في هذه الدراسة، من المحتمل أن تحتاج المنطقة العربية إلى اتباع سياسات تعتمد على السياق الاقتصادي الذي يناسب كل بلدٍ على حدة ويتماشى مع الموارد الوطنية المتاحة لدعم ريادة الأعمال مقارنة بالأهداف الاجتماعية الاقتصادية الأخرى للحكومة.